القرطبي

153

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

فينتهرانه عند ذلك انتهارا يرى أن أوصاله تفرقت ، وعروقه قد تقطعت ، ويقولان له : يا هذا تثبت ، يا هذا انظر ما تقول . فيثبته اللّه عنده بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ويلقنه الأمان ويدرأ عنه الفزع ، فلا يخافهما ، فإذا فعل ذلك بعبده المؤمن استأنس إليهما ، وأقبل عليهما بالخصومة يخاصمهما ويقول : تهدداني كيما أشك في ربي وتريداني أن اتخذ غيره وليّا ، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وهو ربي وربكما ، ورب كل شيء ، ونبي محمد وديني الإسلام ؟ ثم ينتهرانه ويسألانه عن ذلك فيقول : ربي اللّه فاطر السماوات والأرض ، إياه كنت أعبد ولم أشرك به شيئا ، ولم أتخذ غيره أحدا ربّا ، أفتريدان أن ترداني عن معرفة ربي وعبادتي إياه ؟ نعم هو اللّه الذي لا إله إلا هو . قال : فإذا قال ذلك ثلاث مرات مجاوبة لهما ؛ تواضعا له حتى يستأنس إليهما أنس ما كان في الدنيا إلى أهل ودّه ، ويضحكان إليه ويقولان له : صدقت وبررت ، أقرّ اللّه عينيك وثبتك ، أبشر بالجنة وبكرامة اللّه ، ثم يدفع عنه قبره هكذا وهكذا ، فيتسع عليه مدّ البصر ويفتحان له بابا إلى الجنة فيدخل عليه من روح الجنة ، وطيب ريحها ونضرتها في قبره ما يتعرف به كرامة اللّه تعالى ، فإذا رأى ذلك استيقن بالفوز فحمد اللّه ، ثم يفرشان له فراشا من إستبرق الجنة ، ويضعان له مصباحا من نور عند رأسه ، ومصباحا من نور عند رجليه يزهران في قبره ، ثم تدخل عليه ريح أخرى ، فحين يشمها يغشاه النعاس فينام ، فيقولان له : ارقد رقدة العروس قرير العين لا خوف عليك ولا حزن ، ثم يمثلان عمله الصالح في أحسن ما يرى من صورة ، وأطيب ريح فيكون عند رأسه ، ويقولان : هذا عملك وكلامك الطيب قد مثّله اللّه لك في أحسن ما ترى من صورة ، وأطيب ريح ، ليؤنسك في قبرك فلا تكون وحيدا ، ويدرأ عنك هوام الأرض وكل دابة وكل أذى ، فلا يخذلك في قبرك ولا في شيء من مواطن القيامة ، حتى تدخل الجنة برحمة اللّه تعالى ، فنم سعيدا طوبى لك وحسن مآب . ثم يسلمان عليه ويطيران عنه » « 1 » . وذكر الحديث وما يلقى الكافر من الهوان الشديد والعذاب الأليم وحسبك بما تقدم . قلت : وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال ؛ لأنه يروي عن عمرو بن سليمان ، عن الضحاك بن مزاحم ، فهو حديث مرتب على أحوال مبينة ، ومحتو على أمور مفسرة . فصل قوله : « أتاك فتّانا القبر منكر ونكير » . إنما سمّيا فتّاني القبر ؛ لأن في سؤالهما انتهارا ، وفي خلقهما صعوبة . ألا ترى أنهما سمّيا منكرا ونكيرا ؟ فإنما سمّيا بذلك لأن خلقهما لا يشبه خلق

--> ( 1 ) لا يصح ؛ أشار المصنف إلى أن الإسناد فيه مقال ، واللّه أعلم .